يحيي بن حمزة العلوي اليمني
146
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
كأنها فضة قد مسها ذهب لما كان الأول غير واقع ، لأن البساط الأزرق عليه درر منثورة لا يكاد يوجد ، بخلاف الفضة المموهة بالذهب ، فإنها توجد كثيرا ، فأما التشبيهات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية ، فإنها كلها قريبة ، وما ذلك إلا لأنها أدخل في التحقيق ، وأقرب إلى التيقن مما لا يكاد يقع ، فلهذا كانت مختصة بهما كقوله تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [ النور : 40 ] وقوله تعالى : كَمَثَلِ الْحِمارِ [ الجمعة : 5 ] وقوله تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [ الأعراف : 176 ] إلى غير ذلك من الأمور الممكنة الوقوع . ومثال الواضح من التشبيه ما قاله علي بن جبلة في وصف الخمر : ترى فوقها نمشا للمزاج * تقارب لا تتصلن اتصالا كوجه العروس إذا خططت * على كل ناحية منه خالا ومن أوضحه قول مسلم بن الوليد يصف رجلا بالشجاعة : يلقى المنية في أمثال عدتها * كالسيل يقذف جلمودا بجلمود فهذا وأمثاله من الأمور الواضحة في المقصود منها في التشبيه ، وهكذا جميع التشبيهات في القرآن العظيم ، فإنها واضحة جليلة ، ومثال التشبيهات الخفية ، ونريد بخفائها أن الأمور المحسوسة الظاهرة مستمدة من الأمور الخفية في المعاني وهذا كقول بعض الشعراء : وكأن النجوم بين دجاها * سنن لاح بينهن ابتداع فشبه النجوم في ظلمة الظلام مع نورها بالسنن الواضحة التي هي كالأنوار توسط بينها بدع ، كسواد الليل في ظلمتها ، فالسنة في هداها كالنور ، والبدعة في جهلها بمنزلة الظلمة ، ومن هذا قول بعضهم : كأن انصياع البدر من تحت غيمه * نجاء من البأساء بعد وقوع فشبه المحسوس بالمعقول ، مثل البدر الذي ينحسر عنه الظلام ، بالمتخلص من البأساء بعد وقوعها عليه ، وما ذاك إلا لأن هذه المعاني وضحت وضوحا وقربت من النفوس قربا فألحقت بالأمور المحسوسة في وضوحها وتحققها ، ومن الأمثلة ما حكاه الله تعالى عن مستحلى الربا حيث قالوا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [ البقرة : 275 ] وكان القياس في قولهم : إنما الربا مثل البيع ، في تحليله إغراقا منهم في المبالغة ، وذهابا إلى أن الربا في باب الحل أدخل من البيع وأقوى حالا ، وهذا من أنواع التشبيه يلقب بالمعكوس ، ولهذا يقال : صبح كغرة الفرس ، ويقال في عكسه أيضا غرة كالصبح ، وسيأتي تقريره بمعونة الله تعالى .